شمس الدين الشهرزوري
376
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية
اختلف الحكماء في نفوس الأفلاك ، فذهب أكثر قدماء المشائين أنّ نفوسها منطبعة في أجرامها ولم يزل القول بهذا المذهب مستمرا إلى أن ظهر « 1 » الشيخ أبو علي بن سينا - قدس اللّه نفسه وروّح رمسه - فكأنّه « 2 » هو أوّل من تفطّن أنّ لها نفوسا ناطقة مجرّدة عن المواد هي المحرّكة لأجرامها وهذا هو الحق ، ويدل على ذلك وجوه من البراهين « 3 » : الأوّل : إنّك قد علمت في آخر العلم الطبيعي أنّ حركات الأفلاك ليست بطبيعية ولا قسرية بل هي إرادية ؛ فلا تخلو إمّا أن يكون مطلوبها بتلك الحركة الإرادية إمّا نفس تلك الحركة ، أو يكون مطلوبها غيرها : ومحال أن يكون المطلوب هو نفس الحركة ، فإنّها ليست من الكمالات العقلية ولا الحسية المطلوبتين وإنّما هي وسيلة إلى تحصيل غيرها من الكمالات « 4 » غير مطلوبة لذاتها بل لغيرها . ولا يجوز أن تكون النفوس الفلكية ولا أجرامها مقتضية للحركة ، لما عرفت أنّها ثابتة والثابت لا يقتضي الغير الثابت من الحركة ؛ فلا بد وأن يكون مطلوبها بالحركة غير الحركة ؛ فذلك الأمر المطلوب الذي هو غير الحركة إمّا أن يكون حاصلا أو غير حاصل : والأوّل ، محال لكونه تحصيلا للحاصل . والثاني ، وهو أن يكون المطلوب غير حاصل ، فإمّا أن يكون جزئيا ، أو كليا ؛ لا جائز أن يكون جزئيا إذ لو كان جزئيا ، ما دامت حركاتها والتالي باطل فالمقدم مثله ؛ وبيان اللزوم أنّ الجزئي لابدّ وأن يكون وقوعه دفعة ، لما مرّ أنّ كل حادث غير الحركة يجب أن يقع دفعة ، فإذا كان المطلوب هو الجزئي الذي يجب أن يقع دفعة فإمّا أن يمكن وقوعه في وقت ، أو لا يمكن وقوعه أصلا ، وعلى كلي التقديرين لابد من وقوف الحركة الفلكية .
--> ( 1 ) . ن : مظهر . ( 2 ) . ش : وكأنّه . ( 3 ) . التلويحات ، ص 56 با شرح ابن كمونة ؛ المشارع ، ص 439 . ( 4 ) . د : - ومحال أن يكون المطلوب هو نفس . . . إلى تحصيل غيرها من الكمالات .